مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

174

موسوعه أصول الفقه المقارن

الكتاب : « القرآن لا يتصور اشتماله على ما لا معنى له في نفسه ؛ لكونه هذياناً ونقصاً يتعالى كلام الربّ عنه » « 1 » . واستدَلّ له بكونه تكليفاً بما لا يطاق ، وإخراجاً للقرآن عن كونه بياناً للناس « 2 » . وقال الزركشي : « لا يجوز أن يرد في القرآن ما ليس له معنى أصلًا ؛ لأنّه مهمل والبارى سبحانه منزّه عنه » إلى أن قال : « وأمّا الحروف التّى في أوائل السور ، فقد اختلفوا فيها على نيف وثلاثين قولًا ، فقيل : إنّها أسماء السور ، وقيل : ذكرها اللَّه لجمع دواعي العرب إلى الاستماع و . . . » « 3 » . وأمّا القول بأنّ القرآن ورد ليكون بياناً استناداً إلى قوله تعالى : « تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ » « 4 » ، فالجواب عنه : بأنّ هذه الآية وأمثالها إنّما هي ناظرة إلى أنّ القرآن غير ناقص في إفادة مراده من الأحكام وغيرها ، لا أنّه لا يشتمل على لفظ مجمل أو مشترك أحياناً ، ولو كان المراد منه قد بيّن في آيات أخرى ، أو كان غرض الحكيم تعالى قد تعلّق بعدم إيضاحه إيكالًا توضيحه إلى الراسخين في العلم ، وقد مرّ أنّ البيان البليغ قد يكون بالإجمال ثمّ التفصيل . أو يقال : إنّ مفاد الآية إنّما تشمل الوقائع والأحكام التي قد تعلق الغرض ببيانها مفصّلًا ومضمونها أنّه لا نقص في الكتاب العزيز في هذا الغرض ، وأمّا ما تعلق غرضه تعالى بإخفائه لبعض المصالح فلا تنافيه الآية . مضافاً إلى أنّ الآية لو كانت بصدد نفى مطلق الإجمال فمقتضاها نفي المتشابه أيضاً ؛ لأنّ المتشابه وإن كان له ظهور ، إلّاأ نّه في حكم المجمل كما مرّ ، والمتشابه في الكتاب موجود بنص القرآن . ب - الإجمال في السنّة وأمّا الإجمال في السّنة ، فقد نسب إلى داود الظاهري لزوم انتفائه عنها أيضاً ، مستدلًا بما مرّ في إجمال القرآن : من أنّ الإجمال بدون البيان لا يفيد ، ومعه تطويل ، ولا يقع في كلام البلغاء فضلًا عن سيد الأنبياء « 5 » . إلّا أنّه بما ذكر من جريانه في القرآن اتّضح حال السنّة أيضاً ، وأنّ أمثال البيانات السابقة لا تكفي في الحكم بلزوم انتفاء المجمل والمشترك والمتشابه عنها ؛ لما مرّ من أنّ الأغراض العقلائية قد تدعو إليه . مضافاً إلى وجود خصوصيات في السنّة - دون القرآن - تقتضي بنفسها وجود الإجمال فيها ، كصدور السنّة على نحو التدريج ، والاتكال في بيان الأحكام فيها على القرائن المنفصلة المتأخرة بحسب الزمان ، وكونها في أغلب الأحيان على شكل إجابات عن الأسئلة ، التي يكون الجواب عنها في أكثر الأحيان خالياً عن الإطلاق والشمول ، ومبتنياً على الارتكازات والقرائن الحالية الموجودة بين السائل والمجيب . مضافاً إلى احتمال عروض الغفلة في نقل السنّة بجميع حذافيرها ، خصوصاً بناءً على جواز النقل بالمعنى ، والتقطيع الحاصل من الراوي ، فإنّه قد يوجب انفصال القرائن عن الكلام . وكيف كان فلم يوافق داود أحد من العلماء ، قال بعضهم : « لا نعلم أحداً قال به غيره ، فالحجّة عليه من الكتاب والسنّة لا يُحصى ولا يُعَدّ ، وإنكاره مكابرة » « 6 » .

--> ( 1 ) . الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 143 . ( 2 ) . المصدر السابق : 144 . ( 3 ) . البحر المحيط 1 : 457 . ( 4 ) . النحل : 89 . ( 5 ) . انظر : البحر المحيط 3 : 455 ، شرح الكوكب المنير : 219 ، التحبير شرح التحرير 6 : 2753 . ( 6 ) . انظر : البحر المحيط 3 : 455 ، شرح الكوكب المنير : 219 ، شرح الجلال المحلّي على جمع الجوامع 2 : 63 .